وهبة الزحيلي

235

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

ممن يعتقه في الكفارة ولا يجبر ، لا تجب عليه الكتابة ولا يجبر عليها ، فالعقود كلها تقوم على التراضي . وقال داود الظاهري وجماعة من التابعين : الأمر للوجوب ، لما رواه البخاري تعليقا وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن أنس بن مالك قال : سألني سيرين المكاتبة ، فأبيت عليه ، فأتى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، فأقبل علي بالدّرّة ، وتلا قوله تعالى : فَكاتِبُوهُمْ فكاتبه . ويجوز عملا بظاهر إطلاق الآية فَكاتِبُوهُمْ أن يكون البدل حالا أو مؤجلا بقسط واحد أو أكثر ، وهو مذهب الحنفية وأصحاب مالك . ومنع الشافعية الكتابة على بدل حال ؛ لأن الكتابة تشعر بالتنجيم ( التقسيط ) ولأن المكاتب عاجز عن الأداء في الحال ، فيرد إلى الرق ، ولا يحصل مقصود الكتابة . كذلك منعوا الكتابة على أقل من نجمين ( قسطين ) لأنه عقد إرفاق وتعاون ، ومن تمام الإرفاق التنجيم . وهذا خلاف ظاهر الآية . والكتابة مشروطة في الآية بظن الخير في المكاتب ، فإن لم يعلم فيه الخير ، لم تجب ولم تندب ، بل ربما تكون الكتابة محرمة ، كما إذا علمنا أن المكاتب يكتسب بطريق الفسق ، أو الموت جوعا . كما تحرم الصدقة والقرض لمن يصرفهما في محرّم . وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ أي أعطوهم أيها السادة شيئا من مال الكتابة كالربع أو الثلث أو السبع أو العشر ، وكل ذلك مروي عن التابعين ، أو أقل متمول كما قال الشافعي . وحط شيء من مال الكتابة أولى من الإيتاء ؛ لأنه المأثور عن الصحابة . والإيتاء عند الجمهور مندوب للمساعدة والخلاص ، وذهب الشافعي إلى أن الإيتاء واجب ، وفي معناه الحط ، عملا بظاهر الآية . وقال جماعة من العلماء : إن الأمر متوجه إلى الناس كافة من سهم الزكاة في قوله تعالى : وَفِي الرِّقابِ أي في تحرير الرقاب ، وهو مذهب الحنفية ،